تختتم الجمعية العامة للأمم المتحدة غدا أعمال دورتها رقم ٨١ و النتيجة كالعادة تساوي صفرا، اجتماعات المنظمة العجوز التي لا حول لها ولاقوة، تحولت إلى مجرد نشاط احتفالي دولي ليس أكثر .
تواجه الأمم المتحدة منذ فترة ليست بالقصيرة انتقادات دولية غير مسبوقة، فبات ينظر إليها على أنها عاجزة بنيوياً عن تحقيق هدفها الأسمى في صون السلم والأمن الدوليين، لاسيما في ظل الشلل التام لمجلس الأمن الدولي بسبب إساءة استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الدول الخمس دائمة العضوية، (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا)، و إن شئنا الدقة فحق الاعتراض الذي اختص به الدول الخمس هو عوار أساسي في بنية المجلس، يستخدمه أصحابه لصالحهم وحلفائهم، فالمنظمة التي تأسست عام 1945 لإبعاد شبح الحروب، وكأداة لإنفاذ القانون الدولي وحماية الشعوب المستضعفة تحولت بمرور العقود إلى شاهد زور على الحروب غير المتكافئة وساحة للمناكفات الجيوسياسية وتثبيت الامتيازات الاستعمارية القديمة التي وزعت على الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية دون غيرها، لتثبت غياب العدالة، فليس خافيا أن حق الفيتو تسبب في "شلل" للمنظمة و تحول مع مرور السنين إلى عقدة كبرى أفقدت الأمم المتحدة شرعيتها وهيبتها.
خلال أعمال هذه الدورة للجمعية العامة فتح بعض قادة العالم النار على الهيكل الحالي لمجلس الأمن؛ وجددوا دعوتهم لإلغاء هذا الامتياز تحت شعار "العالم أكبر من خمسة"، و سبق لمصر ودول أخرى أن طالبت بتوسيع العضوية الدائمة لمجلس الأمن و ضبط آلية حق الاعتراض، لضمان تحقق العدالة، وحتى لا تتمكن دولة أو دولتان من وأد قرار مهم لمجرد أنهما طرف في تداعياته، أو لهما حلفاء فيه، فالعالم الآن بمجتمعاته المتطورة أكبر من أن يكون تحت رحمة خمس عواصم هي من تحدد وفق مفهومها و مصالحها مصير السلم العالمي.. وقد تجلى ذلك بوضوح في إخفاق المجلس في اتخاذ قرارات حاسمة لوقف الصراع المستمر في قطاع غزة، فضلاً عن الفيتو المزدوج الذي استخدمته روسيا والصين لإحباط مشروع القرار الخليجي-الأردني بشأن تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
لا يقتصر فشل الأمم المتحدة في رأيي على الملفات السياسية، فهناك سجل تاريخي مرير من العجز الإنساني في مناطق النزاعات، فالأمم المتحدة التي وجدت في الأساس لحماية الشعوب وصون الكرامة الإنسانية و تمخضت في سنواتها الثلاث الأولى عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، هي نفسها الآن -بحسب تقارير سياسية وحقوقية- من خذلت ملايين البشر في بقع قاتمة من العالم، بدءاً من فشلها في منع مجازر الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 ومذبحة سريبرينيتسا في البوسنة عام 1995، وصولاً إلى عجزها عن حماية المدنيين في أوكرانيا، والسودان، وسوريا، و غزة.
نعم كانت ماكينة القرارات "شغالة" بكفاءة ومنتجة لكنها تبقى قرارات نظرية غير قابلة للتنفيذ، هذا الإخفاق المتكرر في استصدار القرارات الأممية وتجاهلها من قبل بعض القوى الكبرى، أدى إلى تغذية شعور عالمي بالإفلات من العقاب، وتحولت الجمعية العامة إلى منبر سنوي لإلقاء الخطابات المكررة الرنانة التي لا تستخدم إلا كعناوين في "الواشنطن بوست" أو "وول ستريت جورنال"
يضاف إلى ذلك، تقادم و تهالك الهيكل الإداري للمنظمة الذي يعاني ترهلا تكنولوجيا وبيروقراطيا كبيرا يلتهم ميزانيات ضخمة دون مردود ملموس على الأرض.. يكفي على سبيل المثال ما تورده مؤخرا تقارير خبراء الإدارة الدولية و تشير إلى وجود "فائض مؤسسي وتنافس سلبي"بين وكالات المنظمة؛ حيث تتنافس مفوضية شؤون اللاجئين مع المنظمة الدولية للهجرة على النفوذ والتمويل في مناطق الأزمات ذاتها، في حين تشهد ملفات التغير المناخي تشتتاً كبيراً بين مبعوثين وصناديق تنموية متعددة دون تنسيق موحد و هو ما يعكس واقعاً جيوسياسياً بائداً لا يمثل ديمغرافيا وقوى القرن الحادي والعشرين، في ظل الإقصاء التام للقارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية ودول بارزة مثل الهند من مقاعد العضوية الدائمة.
ختاما: في رأيي إذا استمر تعنت الدول الخمس الكبرى ورفضها التخلي عن امتيازاتها، سيكون مصير الأمم المتحدة حتماً السقوط، ولا يشترط أن يعلن موتها، يكفي ما تجده من تجاهل، و عدم تقدير لهيبة المؤسسة الدولية،
فلم يعد مقبولا سيادة نظام دولي يكيل بمكيالين، والاصلاح بات حتميا وفي كل جمعية عامة ننتظره، وطال انتظاره، وهي مسألة وقت فقط ومرتبطة بخارطة توازن القوى الدولي.